![]() |
قصص درامية قصيرة - الخائنة البريئة |
جلس في القطار إلى جانب شاب يبدو عليه الرفاهية واللامبالاة. تجاهله في البداية، مستسلمًا لشروده وتعبه، إلى أن غلبه النعاس. استفاق على صوت محادثة هاتفية أثارت انتباهه، كان الشاب يتحدث بصوت خافت: "أهلاً حبيبتي... هل غادر زوجك الغبي أخيرًا؟" ثم تابع، وكأنه يتلقى تأكيدًا منها وقال: "جميل، سأكون عندك بعد قليل، سأنزل في المحطة التالية."
أغلق المكالمة، والتفت ليجد نظرات الرجل بجانبه معلقة به، فسأله باستهزاء: "هل أزعجتْكَ المكالمة؟" أجاب الرجل بابتسامة مصطنعة: "لا أبداً، فقط كنت أفكر… هل يمكنك أن تعرفني على فتاة مثلها؟ أحتاج لبعض التسلية أثناء السفر." ضحك الشاب باستخفاف وقال: "هي واحدة من النساء اللي فقدوا الكرامة، تزوجَتْ حديثًا، لكن زوجها دائم الغياب…
واليوم سافر، فقررَت أن تَقضي وقتها معي واتصلت بي. شيء ما انهار بداخل الرجل، لم يكن بحاجة لتفاصيل أكثر… كلمات الشاب، توقيت السفر، كل شيء بدا مألوفًا ومؤلمًا ومطابقا عليه هو وزوجته بشكل لا يصدَق. وعند أول محطة، نزل الشاب مسرعًا، لكن الرجل لم يتردد. نهض وتبعه بخطى سريعة، وقلبُه يخفق بالخوف مما قد يكتشفه…
ما إن توقّف القطار حتى اندفع الزوج خلف الشاب، لكن حين نزل، لم يجد له أي أثر... وكأن الأرض قد ابتلعته. وقف وسط الزحام مذهولًا، يتلفّت في كل اتجاه دون جدوى اشتعلت نار الشك داخله، ولم يعد قادرًا على التفرقة بين الواقع والخيال. اتجه مسرعًا إلى أقرب كشك، وأخذ هاتفًا عموميًا، اتصل بزوجته مرة تلو الأخرى، لكن لم تجب.
ازدادت ضربات قلبه، وبدأت الهواجس تنهش عقله. اتصل بمنزل أهلها، علّه يطمئن، لكنهم أكّدوا أنها لم تأتِ إليهم. لم يبقَ له سوى احتمال واحد... أن تكون في بيته، إتصل على هاتفها الشخصي فلم تجب أيضا لم يعد يعرف ماذا يفعل، فبسرعة ركب أول سيارة أجرة، وجلس فيها غارقًا في أفكاره.
ظل يردد لنفسه وهو يمسح العرق عن جبينه: "هل يعقل أن يحدث هذا في منزلي؟ أيمكن أن يكون اللقاء هناك؟" حيث قال الفتي له أنه ذاهب لمنزلها بعد أن سافرَ زوجها. وصل إلى منزله، نزل من السيارة كالمجنون، يصعد الدرج وكأن الأرض تحته تشتعل. وقف أمام باب بيته متردّدًا، يداه ترتعشان، وفتح الباب بهدوء . لم يكن هناك صوت... الصمت وحده يملأ أركان المنزل.
اقترب من باب غرفة نومه، وكل خطوة كانت كالسيف يخترق صدره. وضع يده على المقبض، وفتح الباب... وحدث ما لم يكن يتوقّعه أبدًا. رأى الحقيقة بعينيه، لم يري شيئا كما تصور عقله بل وجد زوجته نائمة بهدوء على السرير، تحتضن صورة له، وترتدي قميص نومه الذي ارتداه في الليلة التي سبقت سفره. على خدّها دمعة جافة، وتشبه القمر في نومها.
اقترب منها ببطء والحزن والندم بقلبه، قبّل جبينها بحنان، ففتحت عينيها، وما إن رأته حتى اندفعت نحوه تحتضنه بقوة، تبكي وتهمس: "دعوت الله ألّا يطيل غيابك... اشتقت لك كثيرًا." سألها بخجل: "لماذا ترتدين ملابسي؟" أجابته وهي تمسح دموعها، وابتسامة حزينة ترتسم على وجهها: "لأشعر أنك هنا، بقربي... لم أرد أن يبرد حضنك في غيابك."
النهاية: نظر إليها بعينين دامعتين، وشعر أن كلماتها البريئة كانت أقسى عقوبة تلقاها على سوء ظنه بها. لم يرَ في الغرفة خيانة... بل رأى طهارة ووفاءً يستحقان السجود شكرًا.