تزوّج رجل من البادية فتاة من قبيلته، وكانت من خيرة النساء: خُلُقًا ودينًا وحياءً وجمالاً. مضى عام على زواجهما في سكينة وسعادة، حتى نشب شجار عنيف بينه وبين أحد أبناء عمومته، انتهى بمقتل ذلك القريب. ولأن الأعراف القبلية لا تَرحم، اضطر الرجل إلى الرحيل، مصطحبًا زوجته، تاركًا خلفه الديار والأهل والذكريات، واتجه إلى مضارب قبيلة أخرى، آمِلًا في بدء حياة جديدة.
![]() |
قصص درامية - من يصلح الملح إذا فسد |
استقر في ديار القوم، وكان كغيره من رجال البادية، يجلس في مجلس شيخ القبيلة، حيث تدور أحاديث الرجال عن الشأن العام والقصص والمواقف. لكن ذات يوم، بينما كان الشيخ يمر قرب بيت الضيف الجديد، لمح زوجته صدفةً، فتوقف قلبه لحظة من الدهشة. سحَره جمالها، وأخذ لبه نقاء ملامحها، فاستحوذت على فكره وملأت عليه نفسه. عندها وسوست له نفسه بفكرة خبيثة: أن يبعد الزوج عن البيت بحيلةٍ ما، لينفرد هو بالمرأة الطاهرة الطيبة.
عاد إلى المجلس، وفيه الرجال يتسامرون، ومن بينهم ذلك الزوج. فقال بصوت يسمعه الجميع: "يا رَبعي، بلغني أن في نواحي الديار الفلانية ربيعًا لم يُرَ له مثيل، وأريد أن أرسل أربعة رجال ليستقصوا الأمر ويتأكدوا. ثم اختار أربعةً من الحضور، وكان من بينهم الزوج نفسه. انطلق الرجال، غير عالمين بما يُدبَّر، في رحلة تستغرق ثلاثة أيام بين الذهاب والإياب.
وما إن أرخى الليل سدوله ونامت العيون، حتى تسلل الشيخ في الظلام صوب بيت جاره، حيث لا أحد سوى تلك المرأة وحدها. لكن قبل أن يبلغ الباب، ارتطم بإحدى الأعمدة، فأحدث جلبة أيقظت المرأة من نومها، فصاحت بفزع: "مَن هناك؟ أجابها بصوت خافت: "أنا فلان، شيخ العرب الذين نزلتم عندهم."
قالت: "مرحبًا بك، وما الذي أتى بك في هذا الوقت المتأخر؟" ردّ وقد استحوذ عليه الهوى: "ما رأيتُ مثل حُسنكِ في النساء، وقد سُلب قلبي وعقلي، وجئت أطلب وصالك." نظرَتْ إليه المرأة بثبات، ثم قالت بهدوء: "لا مانع عندي ولكن بشرط...
سألها الشيخ: ما هو شرطك؟ قالت: عندي لك لغز، إن حللته أكون لك كما تشاء. وإن عجزت فلا أريد رؤيتك مرة أخرى. تهلّل وجه الشيخ وقال بثقة: اشرطي وتشرَّطي، كل شروطك مقبولة. قالت: "حتى لا يجيف اللحم، يُرَشُّ عليه الملح... فمن يصلح الملح إذا فسد؟" لك أن تستعين بمن تشاء، ولكن إن لم تأتِني بالحل، فلا تطرق بابي بعدها أبداً.
انصرف الشيخ ليلته تلك يحمل لغزًا أثقل من الجبال، لا يعرف كيف يجد حلَّه. تقلب في فراشه حتى أوشك أن يجُن، ولم يذق النوم طعماً. وفي اليوم التالي، وبينما الرجال مجتمعون في مجلسه، قال لهم فجأة: "يا رجال، عندي سؤال: حتى لا يجيف اللحم نرش عليه الملح، فمن يصلح الملح إذا فسد؟" أخذ كلٌ منهم يجيب، كلٌّ على قدر علمه وفهمه، لكن لا إجابة أرضت الشيخ.
ومن بين الحضور كان هناك رجل حكيم، صاحب فطنة ودين، لكنه ظل صامتًا طوال الوقت. وبعد انفضاض المجلس، بقي وحده. نظر إليه الشيخ بضيق وقال: لمَ لم تجب كسائر القوم؟ فقال الرجل بهدوء: أردت أن أكلِّمك على انفراد. هذا اللغز ليس جديدًا، بل هو بيت من الشعر قاله سفيان الثوري: "يا رجال العلم يا ملح البلدِ... من يصلح الملح إذا الملح فسد؟"
ثم تابع كلامه بنبرة حازمة: "أظن أن امرأة ذكية، طاهرة ونبيلة، راودتها عن نفسها، فأرادت أن تردَّك بحكمة لا بفضيحة، وتبعدك عن الحرام دون أن تُهينك، وتحفظ زوجها دون أن تضَعك في موقف العداء... هي أرادت أن تذكِّرك: إذا فسد الملح، فمن يداويه؟" ثم نظر إليه بنظرة صارمة وأردف: "الرجال إذا فسدوا، يُصلحهم شيخهم... فمَن يُصلح الشيخ إذا فسد؟"
النهاية: هذه الكلمات اخترقت قلب الشيخ كسَهم من نور. شعر كأن جبلاً قد سقط عليه من الخجل والندم، وأطرق برأسه قائلاً: "أصبتَ كبِدَ الحقيقة أيها الرجل المبجل. سترك الله كما سترتني، وأرجوك أن تظل هذه الزلة طي الكتمان."ثم تمتم: "يُداوى فساد اللحم بالملح... فكيف يُداوى الملح إن فسد الملح؟"