ذات ليلة حصل شجار بين أبي وأمي، فقام أبي بضربها بمطرقة على رأسها حتى سقطت على الأرض. بدأت الدماء تسيل من رأسها. أخذتُ أختي الصغيرة وحملتها وهربتُ لأختبئ بها في خزانة الملابس. اختبأت أنا وأختي، وكنت أرتجف وكل أجزائي تهتز من شدة الخوف. بدأت أختي تنظر في عيني والدموع تسيل من وجهها لكنها لم تصدر أي صوت، لأني كنتُ قد أحكمت إغلاق فمها.
![]() |
شجار بين الزوجين والليلة الأخيرة |
وبعد مدة قصيرة، سمعت صافرة سيارة الشرطة، وبعد لحظات قاموا بتحطيم باب المنزل ودخلوا. كنت أسمعهم يتحاورون فيما بينهم، وأصوات أقدامهم تصدر ضجيجًا وكأنهم يبحثون عن شيء ما. بدأوا بالبحث، وإذا بأحد أفراد الشرطة يفتح خزانة الملابس وينظر إليّ ويقول: "تعالَ يا صغيري، لا تخف، أنا معك." خرجت أنا وأختي، أمسكتُ بيديها وبدأت أمشي خلف الشرطي،
وعندما وصلنا أمام المطبخ، رأيت غطاءً أبيض موضوعًا على شخص ما، وكان هذا هو نفس المكان الذي وقعت فيه أمي. أخذنا الشرطي خارج المنزل وسلمنا إلى الضابط، فأمرنا أن نصعد إلى السيارة التابعة له. وعندما صعدنا، سألني وقال: ماذا حصل؟ قلت: قام أبي بضرب أمي بالمطرقة على رأسها فوقعت. قال: وأين ذهب؟ قلت: لا أعلم.
قال: وأين كنت أنت وهذه الطفلة؟ قلت: هذه أختي الصغيرة. قال: نعم، وأين كنتم؟ قلت: لقد كنتُ خائفًا وأخذتُ أختي واختبأنا في خزانة الملابس. قال: حسنًا، لا تخف، كل شيء على ما يرام. خرج من السيارة وذهب باتجاه المنزل، فأخرجتُ رأسي من نافذة السيارة وناديته قائلًا: "أحضر معك أمي." قام بمسح وجهه بيديه وعاد إليّ وقال: لا تخف، أنت شجاع، وأنا معك.
لم أكن أعرف أن الشرطة موجودة لحماية المواطنين، كنت أظنهم أشرارًا يقومون بحبسنا وضربنا، لأن أبي دائمًا كان يرعبني بهم ويهددني بأنه سوف يستدعي الشرطة إذا لعبت داخل المنزل. فرددت عليه قائلًا: "أنا لستُ خائفًا، حتى لو قمتَ بضربي، لقد تعودت." فقال: "ماذا تقول؟ على ماذا تعودت؟" قلت: "أبي يضربني كل يوم، وأمي تقوم بتضميد الكدمات التي يسببها لي.
فإذا أردتَ أن تضربني، أحضر معك أمي لكي تضمد الكدمات التي ستسببها لي." تغلغلت الدموع في عينيه واتجه نحو المنزل مسرعًا. كنتُ أختلس النظر من نافذة السيارة لأرى ما الذي يحصل. وبعد مدة قصيرة، خرج بعض رجال الشرطة وهم يدفعون عربة تحمل شيئًا ما مغطيًّا بقماش أبيض. وعندما وصلوا بالقرب من سيارة الإسعاف، هبّت الرياح فانكشف الغطاء، وإذا بها أمي مُدرَجة بالدماء.
قام أحد رجال الشرطة بتغطيتها مجددًا. لم أكن أعرف ماذا يعني أن يموت الإنسان، لأني كنتُ مجرد طفل يجهل ما يرى وما يفعل. فتحتُ باب السيارة، وحملتُ أختي وذهبتُ نحو أمي. حاول رجال الشرطة منعي، لكني بقيت مصمّمًا على أن أراها، حتى سمحوا لي برؤيتها. كشفتُ الغطاء عنها، وكانت تبدو وكأنها نائمة. ناديتُها: "أمي، أمي"، لكنها لم تستيقظ.
وضعتُ أختي فوقها علّها تراها وهي تبكي فتستيقظ وتطعمها، لكنها لم تتحرك أبدًا. التفتُّ إلى الشرطي وقلت له: "لماذا لا تستيقظ أمي؟" لم يتفوه بأي حرف، وبدأ بالبكاء. عندها عرفت أن أمي قد رحلت ولن تعود لنا مرة أخرى، لأني رأيتها ذات يوم تبكي، فقلت لها: لماذا تبكين يا أمي؟ قالت: أبكي على سعادتي يا بني. قلت: وماذا جرى لها؟ قالت: لم أعد أشعر بها. قلت: لماذا لا تناديها لكي تعود وتشعرين بها؟ قالت: يا صغيري، الأشياء التي تترك لنا الدموع لن تعود مرة أخرى.
النهاية: عندما نفقد أعز الناس، قد نفهم بعد فوات الأوان أن بعض الخسائر لا تُعوّض، وأن الحياة قد تحمل لنا لحظات لا نستطيع استعادتها أبدًا. أحيانًا لا نفهم معنى الفقد إلا عندما يُنتزع منا الحضن الذي كان يحمينا من كل شيء. فوجع الطفولة لا يُشفى، حين يكون أول درس نتعلمه هو أن من نحبهم يمكن أن يرحلوا فجأة، وأن الحياة لا تنتظرنا لنفهم، بل تفاجئنا بخسارات لا ترممها السنوات.