تروي الحكايات القديمة أن الخير لا يضيع، وإن خانه البشر. ففي زوايا الزمن، تختبئ قصص تكشف معدن النفوس، وتفرّق بين من يحفظ المعروف ومن ينساه عند أول مصلحة.
![]() |
| قصة الحطاب وعقد الألماس والثعبان الوفي |
الحطاب ونصيحة الحكيم
كان هناك حطاب بسيط، أثقلت كاهله قسوة الأيام وضيق العيش، فشدّ رحاله يومًا إلى رجل عُرف بالحكمة وطول التجربة، يلتمس عنده نصيحة تهديه في دروب الحياة. استمع الحكيم لشكواه، ثم قال بهدوء: «يا بني، إياك أن تصنع معروفًا لأحد، فطباع البشر يغلب عليها نسيان الجميل. وإن فعلت الخير، فافعله لوجه الله، ولا تنتظر شكرًا ولا جزاءً.» عاد الحطّاب متعجبًا، وقصّ ما سمعه على زوجته، فقالت: «لا تجعل كلامه يثنيك عن الخير، فما زال في الناس طيبون.»
أيام تكشف حقيقة النفوس
في أحد الأيام، خرج الحطّاب إلى الغابة، فسمع أنينًا حزينًا. وجد نسرًا جريحًا لا يقوى على الطيران، فرقّ قلبه له، وحمله إلى بيته واعتنى به. وفي اليوم التالي، صادف ثعبانًا مريضًا، فأخذه معه وعالجه، ناويًا إطلاقه حين يشفى. وفي اليوم الثالث، رأى رجلًا فاقد الوعي، موثوقًا إلى جذع شجرة. تردّد الحطّاب متذكرًا نصيحة الحكيم، لكن الرحمة غلبته، فأنقذه وأخذه إلى بيته وأحسن إليه.
المعروف حين يُحفظ
مرّت الأيام، وشفِي النسر، لكنه لم يغادر البيت. وفي أحد الصباحات، دخل المنزل ووضع في منقاره عقدًا فاخرًا مرصّعًا باللؤلؤ والماس قرب زوجة الحطّاب، فغمر الفرح قلبها بعد سنوات الفقر. أما الرجل الذي أنقذه الحطّاب، فقد راقب المشهد في صمت، ثم غادر بعدما تعافى.
الخيانة عند أول طمع
في الطريق، سمع الرجل مناديًا ينادي: «زوجة الملك فقدت عقدها، ومن يدلّ عليه فله مئة دينار ذهبًا.» نسي فضل الحطّاب، وذهب إلى القصر، وأخبر الملك أن العقد في بيت الحطّاب. فأُرسل الجنود، واتُّهم الحطّاب ظلمًا، وصدر الحكم بقطع رأسه.
الوفاء حين يأتي من حيث لا تتوقع
بلغ الخبر الثعبان الذي عالجه الحطّاب، فتسلّل إلى القصر، ودخل غرفة ابنة الملك، والتفّ حولها. عمّ الذعر المكان، ولم يجرؤ أحد على الاقتراب. من سجنه، أرسل الحطّاب إلى الملك يخبره أنه يستطيع التعامل مع الثعابين. أُحضر إلى القصر، واشترط إن صدق أن يُعفى عنه. دخل غرفة الأميرة، وما إن رآه الثعبان حتى هدأ وصعد على كتفيه، فذهل الملك وطلب سماع القصة كاملة.
حكمة تكشف الحقيقة
قصّ الحطّاب ما جرى، ثم قال: «الحيوان حفظ المعروف، أما الإنسان فنسيه.» تأثر الملك وقال: «صدق الحكيم… ولك أن تختار عقوبة من خانك.» أجاب الحطّاب: «لم أفعل الخير إلا لله، وهو وحده يجازي.»
جزاء من جنس العمل
في طريق عودته، اعترضه الرجل الخائن طمعًا في العقد، لكن النسر انقضّ عليه وذهب ببصره. قال الحطّاب: «الحمد لله… جزاء من جنس العمل.» عاد إلى زوجته، وباع العقد، وانتقل من الفقر إلى السعة.
العبرة من القصة:
لا تجعل إساءة الناس تمنعك من فعل الخير. اصنع المعروف لله، لا انتظارًا لثناء البشر. ما ضاع عند الناس، لا يضيع عند الله أبدًا.
